عابرون في كلام عابر

لا انت انت ولا الديار هي الديار

مجرمون بلا خجل

لا يوجد فضاء للمصالح الدولية يوازي في أهميته منطقة الشرق الأوسط. على رأس هذه المصالح يقف النفط بصفته الشخصية، مستغنيا في أهميته الحاسمة عن التبرير. إنه المصلحة التي أصبحت تبرر كل المصالح الأخرى. فحتى بوابات هذا الفضاء الجغرافية، التي كونت الباب الدوراني المؤدي إلى ثروات العالم القديم، أصبحت بوجود النفط، باب المصالح السياسية الدولية، الذي لا يمكن الوصول بدونه إلى بلاطأمريكا، سيدة هذا العالم، والساحة المركزية التي تتجمع فيها كل المصالح الدولية. ألبوابات كلها مفتوحة، أي أنها كلها بوابات دولية، ولكن هناك بابا جانبيا صغيرا يجب المرور به، لأغراض تبدو روتينية، قبل الوصول إلى البوابة الكبرى. هذا المعبر الدولي الصغير، تسيطر عليه الآن دولة صغيرة شابة وفذة وشبه أسطورية إسمها الشخصي إسرائيل، ولكنها نيابة ذاتية عن أمريكا والصهيونية العالمية. بدون هذا الإجراء الروتيني الصغير على ذلك المعبر، يتعذر الوصول إلى البوابة الكبرى المؤدية إلى مجمع المصالح الدولية في أوليمب العظماء، حيث يتم التداول في شؤون العالم وتجمعاته البشرية. والذين يصلون عادة هناك يعرفون أنهم لم يسمح لهم بالوصول, من أجل التفاوض أو التداول أو ما شابه، وإنما من أجل سماع وجهة النظر الأمريكية في الموضوع. هناك أيضا جانب استعراضي يتضمن فحوى إعلامية غير مباشرة، لا علاقة لها بالتواجد على أية وجهات نظر، تتمثل في التسكعات المسرحية لمسؤولين بالزي الوطني هم غالبا شرق أوسطيون، سمح لهم بالوصول ربما لأنه، سياسيا، يقتضي التذكير بين الفينة والأخرى، بكونهم مسؤولين حقا، وليس مجرد دمى حية.

هذا هو كاريكاتير المشهد الرئيسي على ساحة التشريف السياسي الأمريكي. عظماء أمريكيون، يستقبلوندوليين أقل منهم عظمة، وأحيانا يستقبلون أنماطا من الناس عديمي الأهمية. ووراء الستارة يجلس السادة مجهولو الهوية مع غلايينهم وسيجاراتهم الضخمة، يراقبون مسرحية العلاقات الدولية التي قام بتأليفها محاسبون وكتبة صغار في أسواق التداول السلعي. هؤلاء المحاسبون والكتبة هم خبراء سلعيون لا شأن لهم بالسياسة، ولكنهم يحددون اتجاه حركة التاريخ. تقاريرهم هي التي تقرر مصائر الشعوب، وتصنيفها في العلاقات الدولية بين قوى هامشية صاحبة مصالح أو مجرد سلع سياسية، بما تحويه من رموز وأرقام تحكم توجهات السياسة .

وبشهادة الواقع، نحن العرب أكثر السلع السياسية رواجا في سوق التداول العالمي. لا يوجد ثنائية صراع سياسي في المجتمع الدولي لا نشكل نحن جزءا، وفي معظم الأحيان ألجزء الأهم، من تداولاتها. فالعنصر المهيمن على علاقة أمريكا، سيدة المشهد الدولي، بدول العالم الأخرى، هو الشرق الأوسط ونفطه، كمصدر أساسي لقوتها التفاوضية. على السدة التفاوضية لهذا الموقع الخرافي برماله الميتة، ونفطه الحيوي، وإنسانه السلبي، يتربع العملاق الأمريكي، يمارس سجالات الصراعات السياسية الدولية، يضغط ويقايض ويبتز ويرشو، ويبني استراتيجيته في أمركة العالم وأسرلة العرب، من موقع القوة الإستثنائي الذي منحته له ملكيته لآبار النفط العربية ومخزوناتها. بهذه القوة الإستثنائية للسيطرة النفطية، أدار حربه الباردة وما زال مع حلفائه الأوروبيين، ألذين جعل منهم أتباعا لكهنوته السياسي والإقتصادي والثقافي الدولي، وحولهم إلى شيوخ خليجيين على غرار بلير وميركل وساركوزي، بذات الطريقة التي حول بها الخليجيين إلى أوروبيين. وبهذه القوة الإستثنائية أيضا، يستعد الآن لإدارة عصر الحرب الباردة الجديد مع عمالقة الشغف الرأسمالي الجدد في الهند والصين وروسيا، فيجبرهم نفطيا على المراهنة على التسوية معه، بدلا من الرهان على سجال المنافسة الحرة. بهذا النهج من الإستقواء التفاوضي المستند إلى إقطاعه النفطي في بلاد العرب، اتفق معهم حتى الآن على عدم التدخل من جانبه في مواردهم النفطية، مقابل التسليم، من جانبهم، بأن النفط كسلعة استراتيجية يجب أن يبقى تحت سيطرة المركز الصناعي العالمي المباشرة، ولا يجوز في ظل المصلحة المشتركة لدول هذا المركز الذي يريدون الإنضمام إلى عضويته، أن يتحول مخزون النفط العالمي الأكبر في الشرق الأوسط، من سلعة دولية إلى سلعة وطنية. حيث أن هذا، إن حصل، سوف يقلب كل موازين العلاقة في المشهد السياسي والإقتصادي العالمي، ويؤدي إلى سيطرة قوى إرهابية على النفط.

وفي الحقيقة لا يوجد في العالم من يثق بنوايا أمريكا أو كلامها، ولكن تحت ظرف القوة الإستثنائي النفطي لها، فإن الآخرين مجبرون على التسليم بطرحها "التفاوضي"، أو "وجهة نظرها"، لتجنب الدخول المباشر معها في صراعات استعمارية جديدة، ليسوا مستعدين لها بعد، لأنهم لا يملكون إقطاعات نفطيةخاصة بهم. وما لم تنشأ إرادات وطنية حول آبار النفط تهدد استقرار صفقة النهب الدولي له، فإن الوضع الحاليمن تفاهمات الصراع سيظل ساريا، بأرباح دولية متفاوتة، وخسارة عربية شاملة ومتصاعدة، تتمثل في تشديد قبضة الهيمنة "الدوليةالمشتركة" على العرب أفرادا ومجتمعات، وحرمان تاريخهم الإحتماعي من الحركة، وتعميم وعي وثقافة التسليم بالأمر الواقع لديهم، بواسطة دورات التنكيل المتتابعة، التي أصبحت جزءا من تفاهمات الوضع الدولي المعاصر. والمفروض أن يستمر هذا الوضعإلى الأبد النفطي، على الأقل. لذلك فإن نشوء مثل تلك الإرادات الوطنية حول أبار النفط، يعتبر أمريكيانهاية العالم، والخط الفاصل بين الممكن والمستحيل في قرارها الإستراتيجي. وعلى جميع الدوليين أن يسلموا بهذا القرار، خوفا ورغبة، لأنه يشكل الخط الفاصل بين حصولهم على النفطوعدمه.

ألعنصر الثاني المهيمن في استخدام أمريكا لورقة النفط في علاقاتها وصراعاتها الدولية، هو الموقف من إسرائيل. وبتشدد سياسي لا يحتمل النقاش، تفرض أمريكا على كل أطياف المجتمع الدولي، نوعا من الولاء السياسي لإسرائيل، وليس نوعا من العلاقات الحسنة معها فقط. ومع أن المقدمة الغربية حول مأساة اليهود، تشكل مدخلافي هذا الشأن فإن أمريكا لا تستطيح طرح الولاء السياسي لإسرائيل علىدول ذات سيادة بمجرد تقديم إسرائيل فقط كموقع حضاري متقدم على تخوم الهمجية، تدافع ببطولة عن شعب صغير ومتميز خارج من كارثة النازية، كما يظن كبار المثقفين العرب. فما حدث ليهود أوروبل تعرف أمريكا أنه كان جريمة أوروبية وأمريكية وصهيونية مدروسة ضد هم، وليس جريمة نازية قصرا. وهي تعرف أن الآخرين أيضا يدركون ذلك. فالمسؤول الهندي أو الصيني أو الياباني غير الغربي، ربما يعتبر هذا التوجه نفاقا سياسيا مكشوفا، لا يقدم بالنسبة له ولا يؤخر، في اتخاذ قرار الولاء السياسي لإسرائيل، كجزء من صفقة هو مجبر موضوعيا على القبول بها. فالجانب التبريري في الصفقات السياسية هو النص الذي تقف وراءه قوةصاحبه. لذلك فإن أمريكا بعد الديباجة الإنسانية حول مأساة يهود "العالم"، تقدم إسرائيل على أنها الرهان المشترك بين كل الدول الصناعية، على الحاضر والمستقبل في منطقة النفط. فقد أثبتت الوقائع أنها الحارس الأمين من أية تطورات خطيرة حول آبار النفط. وخدماتها في لجم الناصرية، ودورها الحاسم في القضاء على الوهم القومي العربي، معروف بالوضوح الفعلي تاريخيا. وهي أيضا الحارس الأمين من مخاطر نجاحأي مشروعمادي للتنمية الوطنية حول آبار النفط، وذلك بوصفها عامل استنزاف عسكري مستمر، من خلال دورات التدمير والتسلح المتجدد للجيوش العربية، ومن خلال التدمير البنيوي لمجهودات الحداثة والتطور العلمي، كما حصل في واقعة تدمير الفرن الذري العراقي. هذا كله تقدمه أمريكا على هيئة خدمات مصيرية، تقوم بها إسرائيل من خلال الدفاع عن نفسها، للعالم المتحضر. فهي حينما تحارب الإرهاب العربي الديني أو القومي من موقعها، وتمنع تبلور إرادات خطرة حول مصادر النفط، وتقوم برعاية أمن مشايخ الخليج، فهي تسهم بشكل مباشر في المجهود الدولي لمقاومة تحويل النفط إلى سلعة وطنية، وتحمي الجميع من تبعات هذا التحول، بما في ذلك الدول الفقيرة والأفراد أيضا. ومع ذلك يبقى الأهم، هو أن إسرائيل ستكون في غضون سنوات معدودة هي سيدة المنطقة، سواء بالقسر أو بالتطبيع أو بكليهما. إي أن أي شرق أوسط جديد، سيكون بشراكة إسرائيلية مهيمنة. وعلى كل الدول صاحبة المصلحة في النفط، أن تعرف أن أمراء الخليج ليس لهم حيلة ولا مصلحة في غير هذا. وأ ن الدول العربية المعتدلة تفضل علاقة مصالح مشتركة مع إسرائيل وأمريكا في منطقة الخليج، على علاقات مضطربة مع مشايخ سوقيين يستنزفون ثروة المنطقة استنزافا شخصيا بذيئا وبدائيا. لذلك فإن الولاء للمشروع الإسرائيلي، ليس له بديل، سوى ترك الباب مفتوحا أمام مخاطر المشروع الوطني لأصحاب الأرض، الذي سيدمر مستقبل الدخل في الدول الصناعية ويقضي على المستقبل التنموي، خاصة في الدول الصناعية الناشئة. وعلى ضوء كل هذا يصبح الولاء السياسي المسبق لأسرائيل هو جزء من الصفقة مع أمريكا، بمدى ما هو جزء من الولاء للمصلحة الذاتية، خاصة لدى الصناعيين الذين يستوردون معظم نفطهم التنموي أو كله، كاليابان والصين والهند وألمانيا وغيرها.

مؤدى هذا الكلام الواضح الذي تقدمه أمريكا بلغة التفاوض، سيتم فهمه كما يجب، من قبل ذوي المصالح النفطية، وباللغة المباشرة. ألولاء لإسرائيل سياسيا هو فوق الولاء حتى لأمريكا. لأن عدمالولاء لأمريكا سياسيا لا يهدد وجودها. أما عدم الولاء لإسرائيل فهو يهدد استمرار هيمنة أمريكا على منابع النفط العربي, وهو ما لن تسمح به أمريكا تحت أي ظرف. وعلى الذين يخافون على نفط الشرق الأوسط أن يقبلوا بمشروعها هناك، حتى ولو كان يسحب جزءا من البساط من تحت أرجلهم. فهذا أفضل من سحب البساط كله، أو من أن يقفوا غدا حفاة على رمال الجشع العربييستجدون النفط. وليتصوروا فقط ما كان من الممكن أن يحدث لو انضم نفط الكويت إلى نفط العراق في نظام قومي مثل نظام صدام، وما كان سيتبعذلك من سقوط منطقة النفط كلها بيد مشروع المصلحة الإجتماعيلعالممن ثلثمائة مليون مستهلك مباشر من الجياع والمتخلفين في كل مناحي الحياة. وإذا كان هذا سيخفض مستويات الدخل القومي والفردي لدى دول المركز الصناعي العريقة، فإنه حتما سيطيح بمشاريع التنمية الرأسمالية في الدول التي ما زالت على أول الطريق الرأسمالي كالصين والهند بشكل خاص. ويبقى الأهم هو أنه لا يوجد صفقات مع أمريكاخارج إطار هذا الوعي.

ومعظم أصحاب الرؤوس الصغيرة، في العالم الثالث، من رتبة نمر وحتىفأر تطارده القطط الجائعة، يفهم أنه ما دام الولاء لإسرائيل شرطا أمريكيامن شروط الصفقة، فإنه ولاء مباشر لأمريكا، وأن قضية وجود ولاءين منفصلين هو لعبة لفظية، ولكن ما هي جدوى هذا الفهم؟ إن أمريكا تريد التعامل معهم باستقامة. تبعية للمشروع الأمريكي مقابل نفط مضمون. وليس أمامهم حاليا، سوى أن يحاوروا حول مدى هذه التبعية إذا كان الموقف يسمح بذلك. وهذا ما تحاول أن تفعله روسيا بتردد، مستفيدة من كونها دولة خارج مظلة التهديد الأمريكي من هذه الناحية .

هذان العنصران، نفط الشرق الأوسط وإسرائيل، شكلا وما زالا يشكلان عفوية الإلتزام الإستراتيجي الأمريكي في العلاقات الدولية. وكل ما يحيط بهذا الإلتزاممن تفرعات ومراحل تكتيكية لأمريكا، لا يمكن فهمه إلا على ضوءهما. ووضوح الموقف الأمريكي في هذا المجال، والخيارات التهديدية التي تطرحها كانت كافية حتى الآن لتحويل حلفائها الأوروبيين إلى أتباع، وأتباعها إلى خدم، وعمالقة الورق من الرأسماليات الناشئة إلى فضاءات استثمارية أمريكية، تقع في دائرة التدخل السياسي والتنموي، وسيف الإرهاب النفطي الأمريكي.

في هذه المعادلة التوافقية يبدو العرب، كوجود مجتمعي ساكن تنمويا ووعيويا، وكأنهم إحدى مزايابرميل النفط العربي فقط. أي أن أهميتهم، في الموضوع، تنبع من كونهم وجودا ظرفيأ مساعدا للتداول المريح للسلعة، من حيث الأمن السياسي للتداول، والوفرة، والتحكم في السعر، واسترداد العوائد البترودولارية، على شكل خامات نقدية ساكنة إلى دورة الإقتصاد العالمي. والمحافظة على هذه العلاقة المثالية ببرميل النفط العربي، تستدعي المحافظة على مواصفات الحركة المراوحة للمجتمعية العربية حول آبار النفط. فعلاقة أمريكا بالإنسان الإجتماعي العربي هي انعكاس مباشر ومكافيء لعلاقتها ببرميل النفط العربي، وليس جزءا من التقييم أو العلاقة الثنائية أو الصراع السياسي مع كيان مجتمعي عاديمستوف لشروط العضوية السياسية المعاصرة. إنه كيان ذي مواصفات مجتمعية مثالية حول آبار النفط الشرق أوسطي، يجب أن تستمر على حالها لمصلحة العالم الصناعي والمتمدن عموما. هذا هو ما تطالب به أمريكا العالم أن يساعدها عليه. ألحركة الأنسب هي المراوحة ودوام الحال، ولكن تعذر ذلك نسبيا يدعو إلى الحذر الدائم. يجب أن يكون كل طاريء حركي على الساحة العربية في إطار السيطرة أو المعالجة السريعة دائما. بإمكان العرب أن يزيدوا من حيويتهم الإجتماعية، ولكنها يجب أن تكون حيوية شكلية تحافظ على المضمون الوعيوي الساكن. وعلى العالم أن يراقب ويضمن أن لا تتجه أية حيوية عربية طارئة نحو تكوين إرادات وعيوية جديدة، تؤدي إلى رفع وتيرة الطموح الإجتماعي إلى المستوى السياسي، أو، وهو الأهم، إلى المستوى الأيديولوجي... أي النزعة الإرهابية. (ألنزعة القومية أو الوطنية). على العرب أن يطوروا مجتمعاتهم بما يناسب دورهم البنيوي المحدد في العرف الدولي المتمدن. يمكنهم أن يطوروا مستوى مجتمعاتهم في إطار النجاعة الليبرالية التي تدعوا إلى ألديموقراطية وحقوق الأفراد، وحرية التحزب الإجتماعي حول حقوق المرأة، والدين والعلمانية، والتعددية العرقية والطائفية. يمكنهم وعليهم أن يفعلوا ذلك في هذا الإطار من الليبرالية، وليس في إطار إنتاج أفكار ونزعات عفا عليها الزمن تصب فيحيويات الإرهاب العالمي. وحينما يحدث ذلك، فعلى كل العالم المتمدن أن يعمل مع أمريكا وإسرائيل' على إعادة التوازنات إلى وضعها القائم، وكبح جماح الإرهاب, كما حدث في العراق.

هذا هو التحدي الذي تطرحه أمريكا على الإنسان العربي. وهو تحد يتضمن دوام عزل حيويته الذاتية عن التزامه الإجتماعي، ومحاصرة إرادته الوطنية والقومية في اللاوعي كما كان الأمر دائما. وبالتالي عزله بالتخصيص البشري والتمدني، لاستباحته خارج السياسة من أجل السياسة، كما حاولت أوروبا أن تفعل مع يهودها.

لا يقتل أحد أو تستباح إنسانيته بسبب لونه أو دينه أو انتمائه. إنه يقتل فقط بقرار سياسي يوظف الإختلاف لصالح السياسة. إنه يقتل أينما حدث ذلك، في مطعم أو محطة باص أو محرقة جماعية بيد ثقافة العنف والكراهية الموجهة، التي أحاطت السياسة بها الضحية. هكذا أنشأ الأوروبيون النازية، وهكذا تنشيء أمريكا اليوم، ومعها مجرمو وضحايا الأمس، والمرتبطون بروحانية العولمة والنفط، الظروف الثقافية للعنف والكراهية حول ألضحية العربية للنازية الدولية الجديدة. لقد فشل الجميع في استدخال أيشكل من أشكال العولمة، سوى عولمة الخوف من الإرهاب العربي النفطي. وعلى هذه الخلفية تتم اليوم عولمة صورة العربي الذي يهدد، بمثله العليا الجانحة، لقمة خبز الإنسان المتمدن في العالم. هذا العربي هو الذي يهدد العمال في مصانعهم، والأطفال في مدارسهم، والشيوخ في غرف نومهم الخالية من الدفء. هو الذي سيخفض مستويات الدخل الفردي في الدول المتقدمة، ويمنع تقدم الدول النامية، ويزيد من جوع الجياع، وبؤس البائسين. العربي هو ذلك الخليجي الذي يشبه الفزاعة، ترونه في أفخم شوارع العالم المتقدم، مع أربعة نساء وخمسة عبيد وستة مرافقين. بدائي بدون حد، غني بدون حد، استهلاكي بدون حد. يرفع حضوره الأسعار في لمح البصر. ينام مع نسائه في فندق كامل حتى لا يلمحهن السواح مكشوفات الوجوه. يحب العطر والملابس الداخلية الثمينة ويقطع رؤوس النساء. هذا هو العربي الذي يسعى للسيطرة على العالم من خلال السيطرة على النفط. هل نسمح له بذلك؟

لقد أحاطت أمريكا والصهيونية العربي بهالات متعددة من الجنوح، في ذهنيات الدول والأفراد المعنيين في هذا العالم، لاستدعاء العنف والكراهية الموجهة، إلى درجة تسويغ الجريمة الإحتياطية، والقمع الإٌستباقي ضد العرب، بميثاق دولي نافذ المفعول أسمه "محاربة الإرهاب". ولم يبق أمام العربي سوى التخلي عن خصوصيته التاريخية الثابتة، والقبول بخصوصية مرحلية جديدة، تصنفه إرهابيا تحت المراقبة العسكرية الدولية، أو رفض وجهة النظر هذهبشرط التخلي عن إدانتها علنا. له كامل الحق في الرفض الأخرس، ولكن ليس له حق في التدخل لحماية نفسه. أي أن منطق المحرقة الدولية وصل حدا من الوضوح أمام العربي، لا يمكنه حتى من الهرب. فهو موقوف على ذمة التحقيق في كل أنحاء العالم المتمدن الذي تحكمه أمريكا والصهيونية. والحق في عدم الإعتراف مضمون له، ولكنه مثل الإعتراف يشكل الحد الآخر لسكين الإدانة. فهو يمثل الإصرار على وضع "الإختلاف" الذي هو مصدر الإجماع الدولي على الإدانة. ولا إجابة منطقية محتملة على هذا، سوى العنف الأخرس من جانب العربي، أي الحرب داخل غيتو المحرقة الدولية بدون الإدلاء بوجهة نظر. لأن القتل يحمل وجهة نظر الجريمة، فأية وجهة نظر يحتاجها الموت المؤكد؟

بوسع بعض المثقفين العرب رفض مثل هذا الخطاب "الديماغوجي". وبوسعهم أن يفعلوا ذلك بسهولة حتى وهم يقفون بانتظار المجزرة التي ستقص رقبة وعيهم الثقافي الذي حولته الحداثة السياسية للجريمة الليبرالية المعاصرة، إلى هراء شديد الأهمية بالنسبة لسياقها. فوجود مشهد عربي تهريجي على هامش المذبحة، يخفضمستويات التوتر في الرأي العام، ويبعدمؤشر الوعي عن خانة القياس الفعلية للمذبحة. ولا أدعي أن ما نكتبه أو نقوله في الفضائيات، بإمكانه أن يقيم صلة مباشرة مع وعي الناس العاديين في العالم، ولكنه يمكن أن يتم استعماله كخامات في المشهد الإعلامي المدبر، وأن يقيم أيضا صلة مباشرة مع وعي الساحة المحلية الفاتر ليزيده فتورا. ليس هناك حالات وعي غير قاصرة نسبيا في التجربة، فالوعي المكتمل هو صفة الألوهية، ولكن رؤية الواقع المرئي، تنسخ التأويل. ونحن عربيا ربما يجوز لنا الحديث عن واقع تأويلي مختلف القراءات، ولكن فقط للوصول إلى دافع الجريمة، لتكوين ردنا الإفتراضي على جحيم المشهد الدائر، وليس محاورة القاتل. وإهمال الوقائع المرئية كمنطلق جوهري وحيد للإهتمام، يعني القيام بحركات قرودية لا هدف لها في الوعي. هل يمكن تجاهلكمية الدم اليومي النازف، وبشاعة الأداء التي تساوي بين الأطفال وأعقاب السجائر، وظاهرة محو الوجود الإجتماعي الشامل لشعب ووطن في أكثر من موقع عربي، وكل هذا السياق الديماغوغي المتصاعد للجريمة، والتواطؤ الدولي الذي يجدد حيويته كل يوم، والواقع الذاتي المذهل الرداءة، والبحث عن قراءات تأويلية للواقع خارجه؟ نحن في مذبحة يا سادة! والبحث عن شرفات بعيدة لا تطل على الدخان المتصاعد، والدمار الشامل، ومطاردات الدم بالطائرات والدبابات، للكتابة المتانقة في السياسة، هو فجور لا يقبله عقل الشرف ولا شرف العقل. في حالتنا لا يحق للمثقف الكتابة وهو جالس. فكيف بأولئك الذين يطاردون مشاهد الدم بطائرات اللغة، ليؤدوا واجبهم الثقافي! هل هؤلاء الذين يردون محرقة غزة إلى "واقع الخلاف" الفلسطيني- الفلسطيني هم ناس أسوياء، إذا كانوا يعنون ما يقولونه حقا. هل هم أسوياء حينما يطلبون إطباق مقص" الوفاق" بين فتح وحماس على عنق المقاومة والشعب والقضية، بالوفاق. هل الذين "يعاتبون" السياسة الأمريكية بأغنية المكاييل هم سفلة أم نكبات وعيوية؟ هل ما يجري في العراق هو مذبحة سياسية أم سياسة مذبحة؟ وفي الحالتين هل هناك خطاب يلائم ما يجري سوى الرفض الأخرس أو العنف الأخرس؟ إذا كان لدى المثقف العربي ما يقوله فليوجهه إلىشعبه. وإذا كان لديه ما يوجهه فليكن رأسا إلى وجدان التعبئة الوعيوية لمقاومة يد الذبح مباشرة بسكين الدفاع عن النفس. وإلا فعليه أن يصمت إذا كان يحترم شرفه الإنساني.

"ألجريمة تصدح كالكروان"، وشمس التواطؤ الدولي تسطع في الوعي كشمس حزيران, وأمريكا هي محرقتنا المقدرة . ولا يوجد ما يقال لأحدسوى لأنفسنا. قولوا ذلك لشعوبكم أو اسكتوا من فضلكم! ألأم لا تستطيع إلا أن تلطم على جثة طفلها. فإذا كنتم من هذا الشعب فالطموا أو اسكتوا. لا مجاللقراءة الجرائد في الجنازة.



أضف تعليقا

suharosa من لإمارات العربية المتحدة
09 سبتمبر, 2008 11:32 م
أخي الكريم خطاب

في البداية اسمح لي أن أعبر عن مدى دهشتي بمواضيعك المميزة والتي تستحق المرور والقراءة والتمعن..

وأتعجب لما لا أرى أي تعليقات فصدقاً قلمك قوي و أنت تستحق القراءة..

( لا أجامل )

رغم ما تلقيته سابقاً وما زلتُ أتلقى إلا أنني أحب أن أضع النقاط على الحروف في كل شيء.. ولكل شيء موقف ونظرة..

وأنت تستحق بجدارة رغم بساطة شهادتي وتواضعها كل تقدير..


يا خطاب الجميع يعلم منهم هؤلاء المجرمون, هم يتقنون اللعبة.. ونحن نتقن التصديق.. لأننا داخل اللعبة..


كلنا قد نتظاهر بالبساطة ولكن هل حقاً نحنُ بُسطاء كما نبدو؟

لا تُصدق دوماً ما تراه.. ولا ترى دوماً ما تُصدِقْ..

أنت تفهم.. وأنا أفهم.. وهم يفهمون.. ما أريد قوله.. وقد لا يفهمه أحد ولكن صدقني الجميع يعلم ويقر بلا خجل..


معذرة لو أخذتُ منحنى آخر بعيداً عن المووضع الرئيسي.. ولكن كلمة صغيرة أحببتُ أن أضيفها وسط هذا التميز..



دمتَ مميزاً وبكل خير


سهى